أحمد زكي صفوت

88

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

تقدّمنى بطولك على جميع أكفائى ؟ أم كيف بشكرى ! وأنت وليّى ؟ أم كيف بشكرى ! وأنت المكرم لي ؟ وأنا أسأل اللّه الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له إذ كان الشكر مقصّرا عن بلوغ تأدية بعضه ، بل دون شقص « 1 » من عشر عشيره - أن يتولّى مكافأتك عنى ، بما هو أوسع له وأقدر عليه ، وأن يقضى عنّى حقّك ، وجليل منّتك ، فإن ذلك بيده ، وهو القادر عليه » . ( تاريخ الطبري 10 : 66 ) 80 - استعطاف أم جعفر بن يحيى للرشيد روى صاحب العقد قال : « كانت أم جعفر بن يحيى « 2 » - وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قحطبة - أرضعت الرشيد مع جعفر ، لأنه كان ربّى في حجرها ، وغذّى برسلها « 3 » ، لأن أمه ماتت عن مهده ، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها ، والتبرك برأيها ، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجبها ، ولا استشفعته لأحد إلا شفّعها ، وآلت عليه أمّ جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ، ولا شفعت لأحد مقترف ذنبا ، فكم أسير فكّت ومبهم عنده فتحت ، ومستغلق منه فرّجت ، واحتجب الرشيد بعد قدومه « 4 » ، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة ، ومتّت « 5 » بوسائلها إليه ، فلم يأذن لها ، ولا أمر بشئ فيها ، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها ، واضعة لثامها ، محتفية « 6 » في مشيها ، حتى صارت بباب قصر الرشيد ، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب ،

--> ( 1 ) الشقص : السهم والنصيب ، والعشير : جزء من عشرة كالمعشار والعشر . ( 2 ) كان البرامكة قد استأثروا بشؤون الدولة وأموالها ، وغلبوا الرشيد على سلطانه ، ولم يكن له معهم تصرف في ملكه ، ولم يبق له من الخلافة إلا رسمها وصورتها - وحديثهم في ذلك طويل ، ليس هاهنا موضعه - فعزم على نكبتهم ، حتى انتهز فرصة رجوعه معهم من الحج سنة 187 ، فقتل جعفرا ليلا في طريقه ، وقبض على يحيى وابنه الفضل وبقية البرامكة ، وحبسهم في سجن الزنادقة إلى أن ماتوا فيه ، واستصفى أموالهم وضياعهم . ( 3 ) الرسل : اللبن . ( 4 ) أي من الحج . ( 5 ) توسلت . ( 6 ) احتفى : مشى حافيا .